Tafsir as-Saadi (تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان) — Page 136
Fully vocalized Arabic with English study material. Open in the interactive reader
Arabic text · النص
الْمُسْتَقِيمُ، وَلِهَذَا قَالَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ مِنَ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْعُلُومِ السِّيَاسِيَّةِ، فَجَمَعَ اللَّهُ لَهُ الْمُلْكَ وَالنُّبُوَّةَ، وَقَدْ كَانَ قَبْلَهُ الْأَنْبِيَاءُ يَكُونُ الْمُلْكُ لِغَيْرِهِمْ، فَلَمَّا نَصَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى اطْمَأَنُّوا فِي دِيَارِهِمْ وَعَبَدُوا اللَّهَ آمِنِينَ مُطْمَئِنِّينَ لِخِذْلَانِ أَعْدَائِهِمْ وَتَمْكِينِهِمْ مِنَ الْأَرْضِ، وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ آثَارِ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ فَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ} أَيْ: لَوْلَا أَنَّهُ يَدْفَعُ بِمَنْ يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِهِ كَيْدَ الْفُجَّارِ وَتَكَالُبَ الْكُفَّارِ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ بِاسْتِيلَاءِ الْكُفَّارِ عَلَيْهَا وَإِقَامَتِهِمْ شَعَائِرَ الْكُفْرِ وَمَنْعِهِمْ مِنْ عِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِظْهَارِ دِينِهِ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ حَيْثُ شَرَعَ لَهُمُ الْجِهَادَ الَّذِي فِيهِ سَعَادَتُهُمْ وَالْمُدَافَعَةُ عَنْهُمْ وَمَكَّنَهُمْ مِنَ الْأَرْضِ بِأَسْبَابٍ يَعْلَمُونَهَا، وَأَسْبَابٍ لَا يَعْلَمُونَهَا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: {تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ} أَيْ: بِالصِّدْقِ الَّذِي لَا رَيْبَ فِيهَا الْمُتَضَمِّنِ لِلِاعْتِبَارِ وَالِاسْتِبْصَارِ وَبَيَانِ حَقَائِقِ الْأُمُورِ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ فَهَذِهِ شَهَادَةٌ مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ بِرِسَالَتِهِ الَّتِي مِنْ جُمْلَةِ أَدِلَّتِهَا مَا قَصَّهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ أَخْبَارِ الْأُمَمِ السَّالِفِينَ وَالْأَنْبِيَاءِ وَأَتْبَاعِهِمْ وَأَعْدَائِهِمُ الَّتِي لَوْلَا خَبَرُ اللَّهِ إِيَّاهُ لَمَا كَانَ عِنْدَهُ بِذَلِكَ عِلْمٌ بَلْ لَمْ يَكُنْ فِي قَوْمِهِ مَنْ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ، فَدَلَّ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا وَنَبِيُّهُ صِدْقًا الَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ. وَفِي هَذِهِ الْقِصَّةِ مِنَ الْآيَاتِ وَالْعِبَرِ مَا يَتَذَكَّرُ بِهِ أُولُو الْأَلْبَابِ، فَمِنْهَا: أَنَّ اجْتِمَاعَ أَهْلِ الْكَلِمَةِ وَالْحَلِّ وَالْعَقْدِ وَبَحْثَهُمْ فِي الطَّرِيقِ الَّذِي تَسْتَقِيمُ بِهِ أُمُورُهُمْ وَفَهْمَهُ ثُمَّ الْعَمَلَ بِهِ أَكْبَرُ سَبَبٍ لِارْتِقَائِهِمْ وَحُصُولِ مَقْصُودِهِمْ، كَمَا وَقَعَ لِهَؤُلَاءِ الْمَلَإِ حِينَ رَاجَعُوا نَبِيَّهُمْ فِي تَعْيِينِ مَلِكٍ تَجْتَمِعُ بِهِ كَلِمَتُهُمْ وَيَلُمُّ مُتَفَرِّقَهُمْ، وَتَحْصُلُ لَهُ الطَّاعَةُ مِنْهُمْ، وَمِنْهَا: أَنَّ الْحَقَّ كُلَّمَا عُورِضَ وَأُورِدَتْ عَلَيْهِ الشُّبَهُ ازْدَادَ وُضُوحًا وَتَمَيُّزًا وَحَصَلَ بِهِ الْيَقِينُ التَّامُّ كَمَا جَرَى لِهَؤُلَاءِ، لَمَّا اعْتَرَضُوا عَلَى اسْتِحْقَاقِ طَالُوتَ لِلْمُلْكِ أُجِيبُوا بِأَجْوِبَةٍ حَصَلَ بِهَا الْإِقْنَاعُ وَزَوَالُ الشُّبَهِ وَالرَّيْبِ. وَمِنْهَا: أَنَّ الْعِلْمَ وَالرَّأْيَ: مَعَ الْقُوَّةِ الْمُنَفِّذَةِ بِهِمَا كَمَالُ الْوِلَايَاتِ، وَبِفَقْدِهِمَا أَوْ فَقْدِ أَحَدِهِمَا نُقْصَانُهَا وَضَرَرُهَا. وَمِنْهَا: أَنَّ الِاتِّكَالَ عَلَى النَّفْسِ سَبَبُ الْفَشَلِ وَالْخِذْلَانِ وَالِاسْتِعَانَةَ بِاللَّهِ وَالصَّبْرَ وَالِالْتِجَاءَ إِلَيْهِ سَبَبُ النَّصْرِ، فَالْأَوَّلُ كَمَا فِي قَوْلِهِمْ لِنَبِيِّهِمْ وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَكَأَنَّهُ نَتِيجَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا وَالثَّانِي فِي قَوْلِهِ: {وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمِنْهَا: أَنَّ مِنْ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى تَمْيِيزَ الْخَبِيثِ مِنَ الطَّيِّبِ وَالصَّادِقِ مِنَ الْكَاذِبِ، وَالصَّابِرِ مِنَ الْجَبَانِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَذَرَ الْعِبَادَ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الِاخْتِلَاطِ وَعَدَمِ التَّمْيِيزِ وَمِنْهَا: أَنَّ مِنْ رَحْمَتِهِ وَسُنَنِهِ الْجَارِيَةِ أَنْ يَدْفَعَ ضَرَرَ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ بِالْمُؤْمِنِينَ الْمُقَاتِلِينَ وَأَنَّهُ لَوْلَا ذَلِكَ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ بِاسْتِيلَاءِ الْكُفْرِ وَشَعَائِرِهِ عَلَيْهَا، ثُمَّ قَالَ
Line-by-line translation · المعاني
- الْمُسْتَقِيمُ، وَلِهَذَا قَالَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ مِنَ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْعُلُومِ السِّيَاسِيَّةِ، فَجَمَعَ اللَّهُ لَهُ الْمُلْكَ وَالنُّبُوَّةَ، وَقَدْ كَانَ قَبْلَهُ الْأَنْبِيَاءُ يَكُونُ الْمُلْكُ لِغَيْرِهِمْ، فَلَمَّا نَصَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى اطْمَأَنُّوا فِي دِيَارِهِمْ وَعَبَدُوا اللَّهَ آمِنِينَ مُطْمَئِنِّينَ لِخِذْلَانِ أَعْدَائِهِمْ وَتَمْكِينِهِمْ مِنَ الْأَرْضِ، وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ آثَارِ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ فَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ}
- (from previous page) ⟵ From here we know that Goliath and his soldiers were disbelievers, so Allah answered their prayer because they brought forth the necessary means for it, and He granted them victory over them, so they defeated them by Allah's permission, and David (peace be upon him) killed Goliath, who was with the soldiers of Saul. That is, he personally killed the king of the disbelievers with his own hand due to his courage, strength, and patience, and Allah bestowed upon him, meaning Allah bestowed upon David, the kingship and wisdom. That is, He favored him by making him king over the Children of Israel, along with wisdom, which is the prophethood encompassing the great law and the straight path. For this reason, He said, "And He taught him what He willed of the religious sciences and political sciences." So Allah combined for him kingship and prophethood, whereas before him, the prophets would have others as kings. When Allah Almighty granted them victory, they settled in their homes and worshipped Allah in safety and tranquility, due to the humiliation of their enemies and their establishment on earth. All of this is among the effects of jihad in His way, for if it had not been, that would not have happened. For this reason, Allah Almighty said: "And if Allah had not repelled some people by others, the earth would have been corrupted."
- أَيْ: لَوْلَا أَنَّهُ يَدْفَعُ بِمَنْ يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِهِ كَيْدَ الْفُجَّارِ وَتَكَالُبَ الْكُفَّارِ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ بِاسْتِيلَاءِ الْكُفَّارِ عَلَيْهَا وَإِقَامَتِهِمْ شَعَائِرَ الْكُفْرِ وَمَنْعِهِمْ مِنْ عِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِظْهَارِ دِينِهِ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ حَيْثُ شَرَعَ لَهُمُ الْجِهَادَ الَّذِي فِيهِ سَعَادَتُهُمْ وَالْمُدَافَعَةُ عَنْهُمْ وَمَكَّنَهُمْ مِنَ الْأَرْضِ بِأَسْبَابٍ يَعْلَمُونَهَا، وَأَسْبَابٍ لَا يَعْلَمُونَهَا.
- Meaning: were it not for His repelling the plots of the wicked and the onslaught of the disbelievers through those who fight in His path, the earth would have been corrupted by the disbelievers taking control, establishing the rituals of disbelief, and preventing the worship of Allah the Exalted and the manifestation of His religion. Yet, Allah is possessor of bounty for the worlds, as He ordained for them Jihad, which contains their happiness and their defense, and He established them in the land through means they know and means they do not know.
- ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: {تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ} أَيْ: بِالصِّدْقِ الَّذِي لَا رَيْبَ فِيهَا الْمُتَضَمِّنِ لِلِاعْتِبَارِ وَالِاسْتِبْصَارِ وَبَيَانِ حَقَائِقِ الْأُمُورِ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ
- Then the Exalted said: 'These are the verses of Allah; We recite them to you in truth,' meaning: with the truth that is beyond doubt, which contains lessons, insight, and the clarification of the realities of matters, 'and indeed, you are from among the messengers.'
…7 more translated lines, 36 more verbs and 125 more nouns on this page — subscribe to study every page.
Vocabulary · المفردات (39 verbs · 128 nouns)
- عَلَّمَ — to teach
- شَاءَ — to will
- جَمَعَ — to gather
- مُسْتَقِيم — straight
- عِلْم — knowledge
- شَرْعِيّ — legal